احتراق محطتي كهرباء بنواكشوط يفتح ملف صفقة الكابلات.. «الشفافية» تثير شبهات فنية وقانونية

قالت منظمة الشفافية الشاملة إنها باشرت تحقيقًا أوليًا حول أسباب احتراق محطتين تحويليتين للكهرباء في العاصمة نواكشوط خلال النصف الثاني من أغسطس 2026، معتبرة أن المعطيات التي جمعتها تثير تساؤلات فنية وقانونية حول الأشغال التي نفذتها شركة CTM Bâtiment.
وأوضحت المنظمة، في تقرير نشرته حول الموضوع، أن الحادثتين وقعتا في يومين متتاليين، من أصل ست محطات رئيسية تغطي العاصمة، ما تسبب في اضطرابات واسعة في مختلف أحياء نواكشوط.
وقالت إن تحقيقاتها الأولية، التي شملت شهادات وملاحظات لفنيين عاملين في الشركة الوطنية للكهرباء، أظهرت وجود شبهات فنية تتعلق بكابلات الجهد المتوسط التي ركبت حديثًا في المحطتين، والتي تولت شركة CTM Bâtiment توريدها وتركيبها وربطها.
وأضافت أن المعلومات التي توصلت إليها تشير إلى أن الشركة مملوكة لأحد النواب البرلمانيين المنتخبين عن دوائر نواكشوط الجنوبية، معتبرة أن ذلك يثير شبهة تعارض مصالح، استنادًا إلى المادة السابعة من القانون رقم 038-2013 المتعلق بحالات التعارض البرلماني.
وينص القانون، وفق التقرير، على حظر تولي النائب، خلال فترة مأموريته البرلمانية، رئاسة أو إدارة أو تسيير شركة تتولى تنفيذ أشغال أو صفقات عمومية ممولة من خزينة الدولة، سواء بصورة مباشرة أو بواسطة شخص آخر.
وأشارت المنظمة إلى أن بعض النواب المستفيدين من الصفقات العمومية قد يلجؤون، وفق المعطيات المتوفرة لديها، إلى تسجيل الشركات التي ينشطون من خلالها باسم أفراد مقربين من العائلة.
ثلاثة محاور للتحقيق
وقالت المنظمة إنها قررت توسيع تحقيقها ليشمل ثلاثة محاور رئيسية، يتعلق الأول منها بالتحقق من الكفاءة والخبرة الفنية لشركة CTM Bâtiment ومدى قدرتها على تنفيذ هذا النوع من المشاريع واستيفائها للشروط الفنية المحددة في الصفقة.
أما المحور الثاني فيتعلق، وفق التقرير، بمدى شفافية إجراءات منح الصفقة، ومدى التزام لجنة الصفقات في الشركة الوطنية للكهرباء بمعايير الكفاءة الفنية والقوانين والإجراءات المنظمة للصفقات العمومية.
ويتركز المحور الثالث على الظروف التي سبقت احتراق المحطتين، والتحقق من المستجدات التي يمكن أن تكون لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بالحادثتين، بهدف تقديم تقرير للرأي العام وإحالته إلى لجنة التحقيق الحكومية التي شكلت بهذا الخصوص.
شكوك حول الخبرة الفنية
وفيما يتعلق بالخبرة الفنية، قالت المنظمة إن الشرطين الثاني والثالث الواردين في الصفحة الثالثة من إعلان المناقصة يرتبطان بصورة مباشرة بالقدرة الفنية المطلوبة، معتبرة أن المشروع ليس مجرد مشروع كهربائي عام، وإنما يتضمن أعمالًا متخصصة، من بينها تركيب وصلات أرضية 3 × 1 × 630 mm² بجهد 33 kV، وتوريد التجهيزات وتركيبها وتجميعها ووضعها في الخدمة، وتركيب كابلات اتصالات بالألياف البصرية، وإدماج الوصلات في نظام SCADA، وصولًا إلى الاستلام التشغيلي.
وأضافت أن الشرط الثالث من ملف المناقصة يشترط على المتنافس أن يكون قد سبق له تنفيذ صفقتين تتضمنان تجهيز محطات MT/MT ووضعها في الخدمة وضبط أنظمة الحماية وإدماج التجهيزات في مركز التحكم والتوزيع.
وتساءلت المنظمة عما إذا كانت شركة CTM Bâtiment تستوفي هذا الشرط، مشيرة إلى أن الشركة تعرض على موقعها الإلكتروني مشروع محطة الزويرات الشمسية بقدرة 12 ميغاواط، بنظام EPC والتسليم على المفتاح لصالح شركة SNIM، باعتباره من بين مشاريعها السابقة.
وقالت المنظمة إنه حتى في حال اعتماد هذا المشروع ضمن الخبرات المقدمة، فإنه لا يستوفي، وفق تقديرها، جميع العناصر الفنية المطلوبة في الشرط الثالث، فضلًا عن اشتراط تنفيذ مشروعين من هذا النوع خلال السنوات الخمس الأخيرة.
رواية مغايرة بشأن مشروع محطة الزويرات
وأشارت المنظمة إلى أنها، خلال بحثها عن حقيقة المعلومات التي قدمتها الشركة بشأن خبرتها، اطلعت على تقرير تخرج أُنجز داخل SNIM وتحت إشراف مهندسين تابعين لها، خلال فترة تدريب امتدت من 22 يناير 2024 إلى 13 مايو 2024، وفي إطار الصفقة نفسها DME No. 002/2022.
وقالت إن التقرير يتضمن معلومات تفيد بأن تنفيذ مشروع المحطة الشمسية تم من خلال توزيع المهام بين شركتين بحسب تخصص كل منهما؛ إحداهما شركة BGL Energy المتخصصة في الطاقة المتجددة، والأخرى CTM Bâtiment المتخصصة في خدمات البناء المتنوعة.
وأضافت أن تقرير التخرج يورد أن SNIM أطلقت طلبًا إلى CTM Bâtiment لإنجاز أعمال البناء، فيما أسندت إلى BGL أعمال التركيب التقني.
واعتبرت المنظمة أن هذه المعطيات تختلف عن الصورة التي تقدمها CTM Bâtiment عن نفسها بشأن المشروع، مشيرة إلى أنه، في حال صحة ما ورد في التقرير، فإن ذلك يعني عدم توفر الشركة على الخبرة المتعلقة بالشرط الثالث من المناقصة.
شبهات حول تقييم العروض الفنية
وفي المحور الثاني، تحدثت المنظمة عن ما وصفته بشبهات التهاون في الجانب الفني عند التعامل مع الشركة.
وقالت إن المعطيات المتعلقة بالخبرة الفنية للشركة تثير، بحسب تقديرها، تساؤلات حول مدى استيفائها للشرطين الثاني والثالث، ومع ذلك تمت عملية منح الصفقة.
كما أشارت إلى أن إعلان المناقصة يشترط تقديم شهادات حسن تنفيذ من رب العمل لإثبات الخبرة، والذي قالت إنه في هذه الحالة شركة SNIM صاحبة الصفقة DME No. 002/2022.
وأضافت أن المعلومات الواردة في تقرير التخرج، إلى جانب ما وصفته بتأكيد مصدر هندسي من داخل SNIM، تتناقض مع رواية CTM Bâtiment بشأن طبيعة دورها في مشروع المحطة الشمسية.
وقالت المنظمة إنها سعت للحصول على الشهادة التي يفترض أن تكون SNIM قد قدمتها بشأن الخبرة الفنية للشركة، بهدف تحديد المسؤوليات، إلا أن الوقت لم يسعفها للحصول عليها.
صفقة كابل إيديني
وفي الجانب المالي، قالت المنظمة إن لجنة الصفقات منحت CTM Bâtiment، في اليوم نفسه الموافق 8 يناير 2025، صفقة أخرى تتعلق بمد كابل بجهد 33 kV لتزويد محطة إيديني للمياه بالكهرباء، بمبلغ 819 مليون أوقية، بموجب محضر المنح المؤقت رقم N°01-CMI-2025.
وأضافت أن عرض الشركة لم يكن الأقل سعرًا، وأن أربعة عروض مالية كانت أدنى من عرضها، مشيرة إلى أن بعض الشركات المنافسة كانت تتمتع بخبرة فنية معتبرة في تنفيذ المشاريع الكهربائية، وأن إحدى الشركات تمتلك، بحسب المعطيات التي حصلت عليها المنظمة، خبرة تمتد إلى 18 سنة.
واعتبرت المنظمة أن إسناد الصفقة إلى CTM Bâtiment رغم وجود عروض أقل سعرًا ومنافسين ذوي خبرة أكبر، ثم إلغاء المنح المؤقت لاحقًا على خلفية عدم الأهلية بعد تقديم طعون، يعزز، وفق تقديرها، فرضية وجود انحياز في قرارات لجنة الصفقات لصالح الشركة.
تأخر في تنفيذ المشروع وصفقات إضافية
وقالت المنظمة إن الآجال التي التزمت بها الشركة لتنفيذ مشروع نواكشوط، والمحددة في أربعة أشهر، لم تحترم، إذ استغرق المشروع نحو 20 شهرًا، أي خمسة أضعاف المدة المحددة، ولم ينته، بحسب التقرير، حتى الآن.
وأضافت أن الشركة، رغم ذلك، لم تتعرض لعقوبات مالية أو إدارية، بل حصلت، وفق المعطيات التي أوردتها المنظمة، على ثلاث صفقات إضافية في إطار تجمع شركات.
وتشمل هذه الصفقات مشروع إنشاء محطتين كهربائيتين في نواكشوط بجهد متوسط 33/15 kV وإعادة تأهيل ست محطات قائمة، بمبلغ 11 مليون دولار، إضافة إلى الحصتين الثانية والثالثة من مشروع الكهربة الزراعية في الحوض الغربي، بمبلغ مليار أوقية للحصة الثانية و900 مليون أوقية للحصة الثالثة.
أربعة مؤشرات حول احتراق المحطتين
وفي المحور الثالث، قالت المنظمة إنها جمعت إفادات ومعطيات فنية بشأن الظروف التي سبقت احتراق المحطتين، وحددت أربعة مؤشرات رئيسية.
وأوضحت أن مصادر فنية من داخل الشركة أفادتها بأن احتراق المحطتين وقع بعد تركيب وربط الكابلات الجديدة، التي تولت CTM Bâtiment عملية ربطها.
وأضافت أن المصادر قالت إنه تم فصل الكابلات الجديدة احترازيًا عن باقي المحطات، وأنها غير مطابقة، كما أشارت إلى أن عمليات الربط لم يشرف عليها فريق هندسي متخصص، وإنما تولى تنسيقها شاب من الأسرة الضيقة للنائب المرتبط بالصفقة.
كما نقلت المنظمة عن مهندس قوله إن مشكلة الكابلات قد تكون العامل الأكثر ارتباطًا بالحادث، باعتبارها المستجد الرئيسي الذي طرأ على المحطات قبل وقوعه، مرجحًا أن يكون الخلل مرتبطًا بعدم مطابقة الكابلات للمواصفات أو بأخطاء فنية أثناء تركيبها وربطها.
وأشارت كذلك إلى أن مسؤولًا في الشركة، بعد اطلاعه على تسجيلات مصورة التقطت قبل الحادث، أفاد بأن أول الصناديق التي ظهر منها الدخان كانت، بحسب تقديره، الصناديق التي ربطت مؤخرًا بالكابلات الجديدة التابعة لـCTM Bâtiment.
وأضافت أن المسؤول اعتبر أن هذه التسجيلات تضعف فرضية الأعمال التخريبية التي تم تداولها عقب الحادث.
كما قالت المنظمة إن المسؤول استبعد فرضية أن تكون الحمولة الإضافية الناتجة عن ربط خط كهرباء إيديني بالمحطة الشمالية هي سبب الحريق، باعتبار أن المحطة الغربية اشتعلت لاحقًا رغم عدم ارتباطها بهذا الخط، وهو ما اعتبره مؤشرًا على ارتباط الحوادث بالأشغال التي نفذتها CTM Bâtiment.
تصريحات وزير الطاقة
وأشارت المنظمة إلى أن وزير الطاقة قال، خلال مقابلة مع التلفزيون الرسمي، إن المحطات التحويلية المعنية أنشأتها شركات متخصصة وذات كفاءة عالية، وإن عمرها الافتراضي يمكن أن يتجاوز 50 سنة.
وأضافت أن الوزير أوضح أنه لم تدخل على هذه المحطات محولات أو قواطع جديدة قبل الحادث، وأن المستجد الأساسي الذي طرأ عليها تمثل في ربط الكابلات التي تم اقتناؤها ضمن البرنامج الاستعجالي.
واعتبرت المنظمة أن هذه المؤشرات، مجتمعة، تستحق التوقف عندها، خصوصًا في ضوء ما وصفته سابقًا بمؤشرات حول عدم توفر الشركة المنفذة على الكفاءة والخبرة الفنية اللازمة لتنفيذ هذا النوع من الأشغال.
وقالت إنها قررت نشر التقرير للرأي العام وإحالته إلى الوزير الأول المختار ولد اجاي، ورئيس لجنة التحقيق المكلفة عثمان مامدو كان.
توصيات للجنة التحقيق
واقترحت المنظمة على لجنة التحقيق الحكومية عددًا من الإجراءات، من بينها استخراج تسجيلات كاميرات المراقبة داخل المحطات التي تعرضت للاحتراق وتحليلها، وفحص الكابلات من حيث قدرتها على العزل ونوعية المعادن المستخدمة فيها، والتحقق من خبرات الطاقم الذي تولى تركيبها.
كما أوصت بالاستفسار من شركة SNIM عن الدور الفعلي الذي لعبته CTM Bâtiment في مشروع المحطة الشمسية بقدرة 12 ميغاواط، ومدى ارتباط ذلك بالخبرة التي قدمتها الشركة ضمن ملفات الصفقات.
وأرفقت المنظمة بتقريرها ثماني وثائق، تشمل المادة السابعة من القانون رقم 038-2013 المتعلقة بحالات التعارض البرلماني، وشروط المناقصة الخاصة بأشغال تدعيم وتأهيل وتأمين شبكات التوزيع ذات الجهد المتوسط العالي في نواكشوط، ووثائق تتعلق بخبرات CTM Bâtiment ومشروع محطة SNIM الشمسية، إضافة إلى وثائق فتح وإسناد صفقة مد كابل 33 kV لتزويد محطة إيديني، وإشعارات الإسناد النهائي لصفقات إنشاء وتأهيل محطات كهربائية في نواكشوط ومشاريع الكهربة الزراعية
الكلمات المفتاحية
تاريخ النشر


