موريتانيا و«سيداو».. هل تتراجع الدولة أمام الضغوط على حساب الأسرة والهوية؟

تعيش موريتانيا، مثل كثير من المجتمعات الإسلامية، نقاشًا متزايدًا حول موقع الاتفاقيات الدولية في منظومتها التشريعية، وحدود التوفيق بين الالتزامات الدولية من جهة، والمرجعية الإسلامية والخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الموريتاني من جهة أخرى. ويأتي النقاش حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» في مقدمة هذه القضايا، لما قد تتركه بعض قراءاتها ومقتضياتها من آثار بعيدة المدى على الأسرة والتشريع والقيم الاجتماعية.
ولا يتعلق الأمر برفض حقوق المرأة أو الدفاع عن الظلم والتمييز والعنف ضدها. فالمرأة الموريتانية جزء أصيل من المجتمع، ولها كامل الحق في الكرامة والتعليم والعمل والمشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي الحماية من جميع أشكال العنف والاعتداء. وإنما يتعلق الأمر بسؤال أعمق: هل ينبغي أن تتحول اتفاقية دولية ذات خلفية فلسفية وثقافية معينة إلى مرجعية لإعادة صياغة قوانين الأسرة والمجتمع الموريتاني، حتى عندما تتعارض بعض مقتضياتها أو تأويلاتها مع المرجعية الإسلامية التي تشكل أساسًا جوهريًا لهوية البلاد؟
بين حماية المرأة وإعادة تعريف الأسرة تكمن المشكلة في أن النقاش حول «سيداو» كثيرًا ما يختزل في ثنائية مضللة: إما قبول الاتفاقية بكل ما تتضمنه، وإما الوقوف ضد حقوق المرأة. وهذه الثنائية غير صحيحة.
فمن حق الدولة والمجتمع دعم كل ما يحمي المرأة من الظلم والعنف والاستغلال، ويعزز فرصها في التعليم والعمل والمشاركة العامة، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يتساءل عن الثمن الثقافي والتشريعي لبعض المقتضيات التي تتجاوز حماية المرأة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة والأسرة ذاتها.
فالأسرة في المجتمع الموريتاني ليست مجرد علاقة تعاقدية بين فردين مستقلين، وإنما هي مؤسسة اجتماعية ودينية تقوم عليها التربية والتكافل واستمرار المجتمع ونقل القيم بين الأجيال. ولذلك فإن أي تغيير جوهري في مفهوم الزواج أو المسؤوليات الأسرية أو تربية الأبناء أو العلاقة بين الزوجين لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تعديل تقني في القانون.
وتفتح المادة 16 من «سيداو»، وما ارتبط بها من نقاش حول المساواة في العلاقات الأسرية، بابًا واسعًا للأسئلة المتعلقة بالزواج والطلاق والمسؤوليات الأسرية والولاية والميراث وغيرها من القضايا التي لا تنظمها الأعراف وحدها، وإنما ترتبط في المجتمع الموريتاني بمرجعية شرعية راسخة.
وهنا ينبغي أن تكون الدولة واضحة: حقوق المرأة ليست نقيضًا للأسرة، والعدالة ليست بالضرورة مساواة حسابية في كل شيء، كما أن حماية الأسرة لا ينبغي أن تكون ذريعة لظلم المرأة.
المطلوب هو تحقيق العدل، لا الدخول في معركة شعارات.
الخطر الأكبر: تحويل الاتفاقية إلى أداة لإعادة هندسة المجتمع
لا تكمن المشكلة فقط في نصوص الاتفاقية، وإنما كذلك في الطريقة التي يمكن أن تُفسر وتُطبق بها، وفي المسار الذي قد يبدأ من قضية تبدو بسيطة ومقبولة اجتماعيًا، ثم يتوسع تدريجيًا ليشمل مفاهيم جديدة في القانون والتعليم والإعلام والسياسات الاجتماعية.
وهنا تبرز أهمية المادة الخامسة من «سيداو»، التي تتحدث عن تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية المرتبطة بأدوار الرجل والمرأة.
إن مكافحة العادات الظالمة أمر مشروع، لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح كل الأدوار الأسرية التقليدية موضع اشتباه، وكأن وجود أدوار مختلفة للأب والأم يمثل بالضرورة تمييزًا يجب التخلص منه.
ويستطيع المجتمع الموريتاني، شأنه شأن المجتمعات الإسلامية، تطوير أدواره الاجتماعية وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، دون التخلي عن مفهوم الأسرة أو المرجعية الدينية التي تشكل جزءًا من هويته.
فالأمومة ليست إهانة للمرأة، والأبوة ليست امتيازًا للرجل، والمسؤولية الأسرية ليست استعبادًا لأحد. وإنما يكون الخلل حين تتحول المسؤولية إلى ظلم، أو حين تُستخدم السلطة الأسرية لإهدار الحقوق.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإلغاء مفهوم التكامل الأسري، وإنما بتحويله إلى شراكة قائمة على الاحترام والرحمة والعدل وتحمل المسؤولية.
أين الحكومة الموريتانية من هذا النقاش؟
ربما لا تكمن المشكلة في الاتفاقية ذاتها فقط، وإنما في ضعف الدولة في إدارة النقاش حولها.
فالدولة التي تنضم إلى اتفاقية دولية ثم تترك تفسير آثارها لمؤسسات ومنظمات وضغوط خارجية، دون أن تحدد بوضوح حدود التزاماتها بما يتفق مع دستورها ومرجعيتها القانونية والثقافية، تكون قد تخلت عمليًا عن جزء من مسؤوليتها التشريعية.
إن السيادة ليست مجرد علم ونشيد ومؤسسات؛ فالسيادة تعني أيضًا أن يمتلك المجتمع والدولة القدرة على تحديد منظومتهما القانونية والقيمية، وأن تكون الاتفاقيات الدولية منسجمة مع الثوابت الوطنية، لا أن تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل هذه الثوابت من الخارج.
والمقلق أكثر هو أن بعض الجهات الضاغطة قد لا تكتفي بالمطالبة بتطبيق ما هو متفق عليه دوليًا، بل تسعى إلى توسيع التأويلات والمطالبة بتحويلها إلى نصوص قانونية داخلية، مستفيدة من هشاشة النقاش العمومي وضعف حضور المؤسسات العلمية والفقهية والسياسية في الدفاع عن الخصوصية الموريتانية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل تمتلك الحكومة الموريتانية رؤية وطنية واضحة للتعامل مع الاتفاقيات الدولية التي تمس الأسرة والقيم؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فالمشكلة ليست في «سيداو» وحدها، وإنما في غياب سياسة تشريعية وطنية قادرة على التمييز بين الالتزام الدولي المشروع وبين ما يتجاوز حدود التوافق الوطني.
لا يجوز أن يكون البرلمان مجرد محطة للتصديق
المؤسسة التشريعية مطالبة أيضًا بتحمل مسؤوليتها.
فالقوانين التي تمس الأسرة والمجتمع لا ينبغي أن تمر عبر البرلمان باعتبارها مجرد استحقاقات مرتبطة بتقارير دولية أو توصيات جهات خارجية، بل ينبغي أن تخضع لنقاش وطني واسع تشارك فيه المؤسسات الدستورية والعلماء والفقهاء والقانونيون والباحثون وممثلو المجتمع المدني والنخب النسائية والشبابية.
إن البرلمان الموريتاني ليس مكتبًا لتسجيل الالتزامات الخارجية، وإنما مؤسسة سيادية تمثل الشعب وتسن القوانين باسمه.
ومن ثم، فإن أي محاولة لإدماج مقتضيات جديدة في القوانين الوطنية ينبغي أن تمر عبر نقاش شفاف يجيب عن أسئلة أساسية: هل تتوافق هذه المقتضيات مع الدستور؟ هل تنسجم مع الشريعة الإسلامية؟ هل تتلاءم مع المجتمع الموريتاني؟ وما آثارها المحتملة على الأسرة والأطفال والتماسك الاجتماعي؟
الدفاع عن الأسرة لا يعني الدفاع عن الظلم
من المهم جدًا ألا يتحول هذا النقاش إلى خطاب عدائي تجاه المرأة أو تجاه المطالب المشروعة بإنصافها.
ففي المجتمع الموريتاني قضايا حقيقية تحتاج إلى إصلاح، من بينها العنف ضد النساء، وبعض مظاهر الاستغلال، وضعف التمكين الاقتصادي، ومشاكل التعليم، وصعوبات الولوج إلى العدالة، وبعض الممارسات الاجتماعية الضارة، وغير ذلك.
لكن معالجة هذه المشكلات لا تتطلب بالضرورة استيراد منظومة قيمية كاملة.
بل إن موريتانيا قادرة على إنتاج تشريعاتها الخاصة، مستفيدة من تراثها الفقهي والقانوني ومن تجارب الدول الإسلامية المختلفة، بما يحمي المرأة ويمنحها حقوقها ويصون كرامتها، وفي الوقت نفسه يحافظ على المرجعية الإسلامية والأسرة باعتبارها نواة المجتمع.
وهذا هو الفرق بين الإصلاح الوطني والاستجابة غير المشروطة للضغط الخارجي.
المطلوب من الدولة: موقف واضح لا سياسة الصمت
ليس مطلوبًا من الحكومة أن تدخل في مواجهة مع المجتمع الدولي، ولا أن تنسحب من كل الاتفاقيات الدولية، ولا أن ترفض التعاون مع المؤسسات الدولية.
المطلوب فقط أن تمتلك الدولة شخصية تشريعية وسياسية واضحة.
فإذا كانت هناك تحفظات موريتانية على بعض مقتضيات «سيداو»، فعلى الحكومة أن تدافع عنها بوضوح، وأن تشرح موقفها للرأي العام وللشركاء الدوليين، بدل ترك الساحة للجهات الضاغطة وحدها.
وإذا كان هناك نقاش حول تعديل قانون الأسرة أو غيره من القوانين ذات الصلة، فينبغي أن يكون نقاشًا موريتانيًا أولًا، تشارك فيه المؤسسات الوطنية المختصة، لا أن يتحول إلى استجابة آلية لتوصيات وتقارير خارجية.
إن الحكومة التي لا تدافع عن خياراتها القانونية والثقافية تصبح، مع مرور الوقت، مجرد منفذ لما يقرره الآخرون.
موريتانيا تحتاج إلى بديل لا إلى الرفض فقط
الموقف الوطني الجاد لا ينبغي أن يكتفي بالتحذير من مخاطر بعض التأويلات المتعلقة بـ«سيداو»، بل عليه أن يقدم بديلًا.
نحن بحاجة إلى قوانين وسياسات وطنية ترفع من مكانة المرأة الموريتانية، وتحميها من العنف والظلم، وتوسع مشاركتها الاقتصادية والسياسية، وتضمن لها التعليم والرعاية الصحية والعدالة، وفي الوقت نفسه تحافظ على المرجعية الإسلامية واستقرار الأسرة.
ونحتاج كذلك إلى خطاب ديني وفكري يستطيع مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة مقنعة، وإلى دراسات علمية تشرح الفروق بين مفهوم العدالة في الإسلام ومفهوم المساواة المطلقة في بعض الأدبيات الحقوقية المعاصرة.
كما نحتاج إلى مؤسسات دولة قوية لا تخشى الحوار مع الجهات الدولية، لكنها لا تتنازل عن ثوابتها لمجرد وجود ضغط أو توصية أو تقرير.
المعركة الحقيقية هي معركة السيادة الثقافية
في النهاية، لا ينبغي أن يكون النقاش حول «سيداو» مجرد معركة قانونية حول مواد وأرقام.
إنه نقاش حول سؤال أكبر: من يملك حق تحديد شكل المجتمع الموريتاني ومستقبله القيمي والتشريعي؟
إذا كان الجواب هو الشعب الموريتاني ومؤسساته الدستورية، فينبغي أن تكون الاتفاقيات الدولية جزءًا من منظومة التعاون الدولي، لا بديلًا عن الإرادة الوطنية.
أما إذا أصبحت كل توصية دولية قابلة للتحول تلقائيًا إلى قانون، وكل تحفظ وطني يُعامل باعتباره تخلفًا، فإننا لا نكون أمام تعاون دولي، بل أمام تراجع تدريجي للسيادة التشريعية والثقافية.
موريتانيا ليست مطالبة بالانغلاق على العالم، لكنها كذلك ليست مطالبة بالتخلي عن شخصيتها كي تثبت أنها دولة حديثة.
فالحداثة لا تعني القطيعة مع الدين، والتقدم لا يعني تفكيك الأسرة، وإنصاف المرأة لا يعني إلغاء الرجل، والعدالة لا تعني بالضرورة التطابق في كل الأدوار والحقوق والواجبات.
إن التحدي الحقيقي أمام الدولة الموريتانية اليوم هو أن تقول بوضوح: نعم للعدالة، نعم لكرامة المرأة، نعم لمحاربة العنف والظلم، ونعم للتعاون الدولي؛ لكن أيضًا نعم لمرجعيتنا الإسلامية، نعم لخصوصيتنا الثقافية، ونعم لحق المجتمع الموريتاني في أن يختار إصلاحاته وقوانينه وفق إرادته ومصالحه وثوابته.
وعندما تكون الدولة واثقة من هويتها، وقوية في مؤسساتها، ومقنعة في خطابها، فلن تحتاج إلى الصراخ في وجه الضغوط الخارجية؛ يكفي أن تمتلك القدرة على قول «نعم» حين يكون القبول في مصلحة البلاد، وأن تقول «لا» حين يتجاوز الأمر حدود ما يستطيع المجتمع قبوله أو ما تسمح به مرجعيته الدستورية والثقافية.
فالمشكلة ليست في أن نتعاون مع العالم، وإنما في أن نتعاون معه ونحن نعرف من نحن وماذا نريد، وما الذي لا نملك حق التفريط فيه
الكلمات المفتاحية
تاريخ النشر


