ذاكرة موريتانيا على المحك».. تحرك وطني لإنقاذ آلاف المخطوطات وصون التراث

افتتح المعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة، اليوم الثلاثاء، ملتقاه الوطني حول حفظ وصيانة المخطوطات، تحت شعار: «من أجل شراكة وطنية لإنقاذ تراثنا المخطوط».
ويستمر الملتقى على مدى يومين، بمشاركة عدد من مصالح المعهد، من بينها مصلحة المخطوطات، ومصلحتا الأركيولوجيا والتاريخ، والدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية، إضافة إلى التوثيق والنشر والترجمة، والترميم والمعالجة.
وتقدم كل مصلحة، ضمن الجناح المخصص لها في المعرض المصاحب للملتقى، نماذج من المواد التي توثق جوانب مختلفة من التراث، تشمل مخطوطات ووثائق وكتبًا ومجلات وأوراقًا بحثية، إلى جانب قطع حجرية وأغلفة كتب جلدية وغيرها من المواد التراثية.
وقال وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الحسين ولد مدو، في كلمة له بالمناسبة، إن المعهد أصبح يمتلك خبرة وطنية مهمة في مجال المخطوط، تشمل الفهرسة والحفظ والرقمنة والتعريف بالمجموعات المخطوطة.
وأضاف أن قاعدة البيانات الخاصة بالمخطوطات، التي يشرف عليها المعهد، تعكس حجم العمل المتراكم في هذا المجال، إذ تضم عشرات الآلاف من المواد المفهرسة، معتبرًا أن هذا الرصيد يمثل قاعدة مهمة ينبغي البناء عليها وتوسيعها بالشراكة مع أصحاب المكتبات والخزائن في مختلف أنحاء البلاد.
وأشار الوزير إلى أن الخدمات التي يقدمها المعهد في مجالات التنظيف والتغليف والفهرسة والرقمنة، إلى جانب ما يرتبط بمبادرة «شريك في حفظ التراث»، تمثل أساسًا عمليًا يمكن تطويره وتحويله إلى آلية وطنية أوسع لحماية المخطوطات.
ودعا ولد مدو إلى تحويل توصيات الملتقى إلى خطة عمل وطنية، تتضمن حصر المكتبات والخزائن الأهلية وتحديد احتياجاتها، وتوسيع عمليات الفهرسة العلمية للمجموعات المخطوطة، ووضع برنامج وطني للرقمنة وفق معايير علمية موحدة.
وأكد أهمية تطوير وسائل الحفظ والصيانة والترميم، وتشجيع تحقيق المخطوطات ونشرها، وتكوين جيل من المتخصصين في علوم المخطوط، فضلًا عن تطوير قاعدة بيانات وطنية تتيح التعرف على المخطوط الموريتاني وتحديد مواقع وجوده.
وقال ولد مدو إنه إذا كان البلد قد نجح في تسجيل عدد متزايد من عناصر تراثه الثقافي على القوائم الدولية، وإذا كان العالم يكتشف بصورة متزايدة القيمة العلمية والحضارية للموروث الموريتاني، فإن المسؤولية تقتضي في المقابل ضمان بقاء المصادر الأصلية التي تحفظ هذا التراث، موثقة ومصانة وقابلة للدراسة والاستفادة.
وأوضح أن التحدي المطروح اليوم «مزدوج»، يتمثل في الحفاظ على المخطوط باعتباره أصلًا ماديًا لا يعوض، وحماية محتواه العلمي والمعرفي من خلال بناء ذاكرة رقمية وطنية لهذا التراث، مؤكدًا أن الرقمنة تعد إحدى أهم وسائل حمايته.
ووصف الوزير الملتقى بأنه يكتسب أهمية خاصة لتركيزه على الفهرسة العلمية والرقمنة والتحقيق والنشر، مشيرًا إلى أنه لا يمثل غاية في حد ذاته، وإنما يشكل بداية لمسار يهدف إلى إنشاء شبكة وطنية دائمة للتعاون بين المعهد والقائمين على المكتبات الأهلية.
وشدد ولد مدو على ضرورة أن يقوم هذا التعاون على الثقة وتبادل الخبرات وتنسيق الجهود وتوحيد الرؤية، مؤكدًا أن إنقاذ التراث المخطوط لا يتحقق بالقرارات وحدها، وإنما بإرادة وطنية جامعة تجعل من هذا التراث مسؤولية مشتركة.
وأضاف أن الرقمنة تقلل الحاجة إلى تداول النسخ الأصلية، وتتيح استرجاع محتواها في حال تعرضها للتلف أو الفقد، كما تفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين للوصول إلى المادة العلمية. وأوضح أن الفهرسة تمثل بدورها الخطوة الأولى لاكتشاف محتويات الخزائن والتعريف بها.
من جانبه، قال مدير المعهد، محمد محمود جلال الطلبة، إن شعار الملتقى اختير ليكون إعلانًا عن «مرحلة جديدة في علاقتنا بتراثنا المخطوط، قوامها الشراكة والثقة والعمل المشترك»، مؤكدًا أن المخطوطات تمثل ذاكرة أمة ومستودع علمها وسجل تجربتها الحضارية.
ووصف ولد الطلبة المخطوطات بأنها الوعاء الذي حفظ عبر القرون إسهام الموريتانيين في خدمة القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه واللغة والأدب والتاريخ والعلوم المختلفة.
وأوضح أن الحفاظ على المخطوط يعني في جوهره الحفاظ على جزء من الشخصية الوطنية، وصون أحد أهم عناصر السيادة الثقافية، مشيرًا إلى أن موريتانيا حباها الله بثروة مخطوطة استثنائية جعلتها من أبرز حواضن التراث المكتوب في العالم الإسلامي.
وأضاف أن هذا التراث يتوزع بين 675 مكتبة موزعة على 289 موقعًا، غير أن هذه الثروة، رغم عظمتها، تواجه تحديات كبيرة، من بينها تقادم الزمن، وضعف وسائل الحفظ، والعوامل الطبيعية، وتشتت المجموعات المخطوطة.
وأكد أن هذه التحديات تجعل مسؤولية الحفاظ على المخطوطات مسؤولية وطنية مشتركة، لا تستطيع مؤسسة واحدة النهوض بها بمفردها، مشيرًا إلى أن الملتقى جاء انطلاقًا من قناعة بأن أصحاب المكتبات الأهلية شركاء أصيلون في حفظ الذاكرة الوطنية.
واعتبر أن الخبرة التي راكمها أصحاب المكتبات الأهلية عبر الأجيال في جمع المخطوطات والعناية بها تمثل رصيدًا لا يقل أهمية عن المخطوطات نفسها، مضيفًا أن المعهد يسعى إلى التحاور معهم والاستماع إلى تجاربهم والعمل معهم على بناء رؤية وطنية متكاملة لصيانة هذا الإرث.
وأشار إلى أن المعهد قطع أشواطًا في مجالات الفهرسة والرقمنة والترميم والصيانة والتحقيق والنشر، ويسعى حاليًا إلى تطوير خدماته الفنية والعلمية بما يواكب المعايير الدولية، من خلال إطلاق منصة وطنية للمخطوطات الموريتانية.
وشدد ولد الطلبة على أن الرقمنة ليست بديلًا عن الأصل، ولا تنتقص من ملكية أصحابه، وإنما تمثل سياجًا لحمايته، ووسيلة لتعريف الباحثين به، وضمانًا لبقائه مهما تعرضت النسخ الأصلية لعوامل الزمن، معتبرًا أن هذه الرسالة من أبرز ما يسعى الملتقى إلى ترسيخه
الكلمات المفتاحية
تاريخ النشر


